الفنان ياسر حمود
المرأة هي الأرض... ومعرضي دفاعاً عنها


افتتح المعرض برعاية السيدة وزيرة الثقافة الدكتورة نجاح العطار وبحضور معاون وزيرة الثقافة الأستاذ علي القيم وجمهور غفير من الفنانين والنقاد والمهتمين بالفن التشكيلي ومن الواضح أن الفنان ياسر حمود اختار لمعظم أعماله المرأة موضوعاً إذ أن هذا الموضوع يسمح له بالتعبير عن التعاطف الذي يكنه لها والدفاع عنها، وبحثه في الجسد المعبّر عن قلق ومشاعر الفنان تجاه قضية يعتبرها من القضايا الانسانية الهامة جعله ينفذ مشروعه بل تجربته الفنية هذه برؤية فنية خالصة متخلصة من الصيغة الجمالية المباشرة، فترك للجسد حرية الشكل.. بخطوط منحنية انسيابية متجنبة النسب التشريحية الدقيقة، لأن ما يريد أن يقوله بلوحته ـ إذا عدنا قليلاً إلى التحليل النفسي ـ هو الشيء الذي لا يقال مباشرة، بل يُكتشف بالبحث والاستقصاء خلف تقاطيع الجسد، ولو جاءت واضحة إلى حد ما.

إنه اختبار نفسي للمشاهد الذي سيقف أمام اللوحة بمعطياتها الشكلية واللونية وايحاءاتها، وبالتالي تحريض للمخزون الفكري والموروث القيمي.. لتلك العلاقة الثنائية التي ستتشكل، خصوصاً عند الرجل المشاهد.

المرأة ستتجلى بحالات عديدة.. هادئة.. مسترسلة بالحلم ـ يقظة مفتوحة العيون بنظرة حادة تارة ومحايدة تارة أخرى ـ أو مغمضة العين فيترك التعبير للجسد.. كلّ ذلك يقدم بهدوء وسكينة لولا خلفية اللوحة الحارة التي تنبض بالحركة لتخلق ذلك التضاد داخل العمل ذاته.

مع الفنان ياسر سندخل في تفاصيل أعماله عبر اللقاء التالي:

/من جسدها تأتي الحياة/
س/ نلاحظ في أعمالك أو في معظمها تركيزاً على جسد المرأة بحالاته المختلفة... وهذا يعني أن الجسد ليس كتلة محسوسة فحسب بل قد يعني لك مفهوماً أعم وأشمل؟؟

ج/ جسد المرأة هو الأرض.. بعطائها وخصبها.. جسدها الممتد كأنه الصحراء والصحراء قراءة للتاريخ بامتدادها ولونها الفاتح والغامق.. أي الظل والنور.. التاريخ الذي صوّر المرأة على هيئة آلهة.. من جسدها تهب العشب.. والثمر.. والحياة.. و..و..

وأنا أحاول أن أجرد هذا الجسد من أي اثارة بالغاء التفصيلات وبالبقاء على التعبير من خلال الحركة.. وشكل الوجه.. وهو الجسد يتجلى بوضعيات مختلفة بقراءة فقط من خلال حركته.

س/ جسد هادىء والحركة تأتي من خلفية اللوحة كما أرى.. أمواج من الألوان.. متحركة متدفقة.. ماذا يعني ذلك؟؟

ج/ أساس العلم قائم على التناقض بين الواقع الذي هو منهجية وليس أسلوباً بالنسبة لي. وبين الحلم وبين الخط الأفقي الذي يعطي ايحاء بالهدوء وبين الخط الشاقولي الذي يولد الاحساس بتصاعد الروح أو بتعبير أدق الصعود أو الارتقاء نحو الأعلى.. وأيضاً الفرح والحزن. الحركة والسكون هما الموت والحياة وأنا أخلق حواراً بين هذه الثنائيات.

/التأمل والطبيعة النقية/
س/ تجمع في بعض أعمالك بين المرأة الجسد.. الطبيعة الصامتة.. الطبيعة.. كيف تفسر ذلك؟؟

ج/ قبل البدء بالعمل، كان عليّ أن أقوم برياضة نفسية تقوم على التأمل والاستغراق به. تأمل الطبيعة وموجوداتها علني أرى بشكل صحيح.. علني أرى اللون بحالته النقية الصافية.

في البدء خشيت دخول الانسان عالم لوحتي لأنني كنتُ أرسم باللون فقط واللون يعني الطبيعة دون سواها.. خشيتُ الانسان كعنصر قد يشوه اللوحة.. لكن الانسان في الواقع أحد عناصر الطبيعة، يتفاعل معها وينفعل بها، تجرأت وأدخلته لوحتي، وأرى أنني وُفقت في نقل تفاعله هذا ولكن لا أدري إلى أي حد!!

س/ التأمل هو وقفة مع الذات أولاً ومع المحيط ثانياً وبالتحديد قد يكون مع المنظر الجميل مع اللون النقي... هل هذا هو تأملك؟؟

ج/ أنا أعشق الطبيعة خصوصاً حين يغسلها مطر الخريف... فتغدو أكثر حضوراً وأكثر نظافة.. تصبح لوناً حقيقياً... فالأخضر يزداد اخضراراً والأحمر والأصفر والأزرق.. تدعوني إلى التأمل إلى الاستغراق... تنسرب الرؤية إلى عيني ثم إلى فكري، أي تمتزج الرؤية بالمعرفة وثم امتزاج هذه المعادلة بنزعة تخصني... نزعة حاورت عيني ودماغي.. هي نزعة انسانية.. والعمل يسير بهذا الطريق بعيداً عن الشكل الهندسي..

التأمل قد يوصلني إلى نقطة التلاشي..والتلاشي هو ابتعاد المرئي.. ابتعاده حتى يتلاشى بعدها يقترب المخزون البصري بل ينفر إلى ساحة الشعور فينسكب ألواناً وخطوطاً على السطح الأبيض ويأخذ العمل أبعاده.

/المرأة أكثر تفاعلاً/
س/ برأيك من يتفاعل مع لوحتك، أو من يتحاور معها أكثر الرجل أم المرأة؟

ج/ حين يتجرد الرجل من نظرته الذكورية، ويضع جانباً موروثه الثقافي الأحادي الجانب، حين يتخذ من الموضوع جانبه الفني بأبعاده، فإنه يستطيع أن يتفاعل مع لوحتي وتستطيع اللوحة أن تخاطب أعماقه. والعكس صحيح.

لكن المرأة بكل الأحوال أقرب إلى الأعمال لأنها سترى جسدها الذي تعرفه كتلة فنية وستبحث عن كيفية صياغة هذه الكتلة أي ستبحث عن الخط واللون والتعبير فيها أن استطاعت قراءة اللوحة.. لن تأخذها تفاصيل الجسد إلا بحالتها الفنية الخالصة.

س/ ننتقل من موضوع المرأة إلى الجانب الآخر في أعمالك "التجريد" إذ أنك تقدم بعض الأعمال بألوانها الصريحة الحارة ويغيب الشكل نهائياً.

ج/ بهذه الأعمال اختزلت الملموس.. حاولت أن أحوّل الملموس إلى محسوس، فالزهرة بألوانها المحسوسة وليست الملموسة..

والمحسوس هو ايقاع الفنان الداخلي... موسيقا... لحن..

س/ إلى أي حد يمكن أن يحس المشاهد هذا المحسوس الذي أوجدته أنت ووضعته بمشاعرك ورؤيتك؟؟

ج/ هذا يعود إلى المشاهد وثقافته البصرية.

س/ إذاً هناك مشكلة بين المشاهد والفنان أو العمل الفني بهذا الاطار!!

ج/ لا أدري هل هو تقصير من الفنان؟؟ أم غياب الناقد؟

في الفن الحديث غابت المقاييس الجاهزة والقيم الجمالية التقليدية، وهنا يبرز دور النقد بحدة... فالفنان ينقل احساسه وعلى الناقد أن يترجم هذه الأحاسيس فهو صلة الوصل بين العمل والمتلقي وغيابه سبب المشكلة.. خصوصاً في مجتمعاتنا..

فنحن شعب لغة.. نفهم اللغة والحرف حتى في فنوننا الشرقية الاسلامية ونحن أصحاب كتب سماوية أصلاً.

س/ في سياق الحديث تحدثت عن الأزرق.. عن أهمية هذا اللون كمفتاح للعمل!!

ج/ الأزرق هو لون العمق.. لون الهواء في الأفق في المدى.. هو غوص في الأعماق.. بيكاسو عُرفت عنده المرحلة الزرقاء..

نراه في امتداد البحر في اتساع الكون.. أستعيره لأدخل عالم الأشياء..

س/ في جانب آخر من المعرض.. أعمال بالفحم.. خطوط بسيطة لشكل واضح لكنها لم تكتمل!!

ج/ هذه الأعمال فيها اختزال.. خطف للحظة الضوء التي ستتغير، هذه الأعمال شغلت بتقشف للشكل والخطوط.. بعدّة لمسات بُنيت كتلته.. اذاً هي قدرة على التحوير والاختزال.

ـ معرض الفنان ياسر حمود في صالة السيد بدمشق بين 26/10/96.

جريدة البعث - الثلاثاء 29/10/1996

حوار: رواد إبراهيم