التشكيلي السوري ياسر حمود: لكل شيء من حولنا وهجه وضوؤه الخاص
خطوط الفنان ياسر حمود وألوانه تجيب عن أكثر من سؤال حول علاقة التراث بالحداثة والتجديد، وعن تأثير الفنون الأخرى في اللوحة التشكيلية المعاصرة، وعن خصوصية الشرق في العمل الفني، وعن أمور أخرى كثيرة تشير إلى أن تجربته مبنية على أساس المعرفة التاريخية لمفهوم الخط والظل والضوء في منطقتنا، وعلى أساس التفسير المعاصر لمعنى الكتلة في الفراغ ومعنى حركة الروح وتأثيرها على أشخاص العمل الفني. وعملية البحث هذه جعلت الفنان ياسر حمود مقلا في عرض أعماله، لكنه مختلف في كل ما يعرضه مجدداً في أدواته وعناصر بحثه.. يتعامل مع قماشة اللوحة على أنها بقعة ضوء مقدسة لا يجوز اللهو بتفاصيلها الا بالألوان وخطوط هامة تزيد من قيمتها ولغتها الخاصة. وهو بين الانطباعية والتجريدية يمارس جرأته بفلسفة فنية واعية، تدرك فعلها باتجاه مرحلة أخرى تتجاوزها الذات والاسئلة المعاصرة باستمرار. وبين معرض وآخر ثمة فترة زمنية طويلة من البحث والتأمل قد تمتد الى عدة أعوام، يعمل خلالها ياسر حمود في تصميم وتنفيذ الأعمال النحتية والجدارية الضخمة. ومن أبرز هذه الأعمال البانوراما التي باتت معلما حضاريا ووطنيا شاهقا تمتد مساحته عند بوابة مدخل دمشق الشمالي.
وحول مفهوم تداخل المدارس الفنية العالمية، وحول مسؤولية المؤسسة الفنية في توجيه الحركة التشكيلية، وحول علاقة الجمهور بالعمل الفني، وعن أمور أخرى متعددة كان لنا مع الفنان الحوار التالي:
• في أعمالك الأخيرة نلاحظ استطالة الوجوه في اللوحات وخصوصية شكل العيون بما يوحي بالملامح السومرية القديمة.. فهل كنت تعني ذلك؟
ـ لا، لم أكن أعني ذلك، ولم اتقصده في عملي. بل كان يهمني في الاستطالة دلالة تصاعد الروح نحو الأعلى، وأحيانا العكس في أشكال أخرى بما يعني الهبوط. واتعامل مع اللون بذات المفهوم، في محاولة لاعطائه معاني أخرى غير سائدة فمثلا حين ترى تلك اللوحة "مشيرا بيده الى احداها" ستجد أن اللون الأحمر يشغل مساحة افقية وهو بهذه الحركة يفقد الكثير من هيجانه الشهير وغضبه، ويصبح مروضا، طيعا بين ألوان أخرى، أريد لها أن تعلن عن حضورها أكثر منه وان كان الأحمر اساس تلك اللوحة أو المحور الفني أصلا.
وهج الضوء
• من أين يأتي تأثير الضوء على شخوص أعمالك الساكنة؟
ـ شدة الاقتراب من الطبيعة، تمنح كل شيء فيها وفيك ضوءه الخاص وصوته الخاص أيضا. ومن هذا التأثير يكون لأشخاصي في اللوحات وهجهم الخاص النابع من أعماقهم. وفي المرسم أرى في خصوصية تجربتي أن قماش اللوحة الأبيض، هو بقعة ضوء مستقلة ولها دلالاتها، وحين تكون مسؤوليتي باشغال بعض مساحات هذا الضوء بعمل فني، سأدع مساحة ما من ضوء القماش الأصلي تعبر عن نفسها ضمن الاضاءات أو الألوان الأخرى التي شغلتها. وقد يكون العكس تماما في حالة أخرى اذ أرى أن قماش اللوحة الأصلي هو عبارة عن مساحة عمياء، واسقط بعملي عليها تأثيرات ألوان الطبيعة التي اعتملت بداخلي.
أردت القول منذ البدء أن مساحة اللوحة الخام هي بقعة ضوء مقدسة لوحدها. ولا يمكن اللهو أو الاستغناء عنها الا بألوان هامة وضرورية للعين وللدلالة والمعنى الجمالي.
• في أعمال أخرى نلاحظ هنالك اعتناء خاصا بتفاصيل اللون في علاقاته بالألوان الأخرى؟
ـ تتضح أهمية ذلك في الأعمال التجريدية، حيث يبدو فيها أي جزء من اللوحة هو لوحة مستقلة بذاتها عبر لغة الألوان مع بعضها وعلاقاتها الانفعالية أحيانا والحميمة أحيانا أخرى، وعندها لو أخذت أي جزء صغير من اللوحة وأجريت له عملية تكبير سيكون عملا فنيا متكاملا. بمعنى أن هذه القصدية تأتي في سياق المعرفة التقنية واللغة الحوارية الخاصة بين الفنان وتجربته وألوانه.. وأرى من صميم علاقة الألوان مع بعضها أن علاقة اللون تمتلك زمنا طويلا تختلف مستوياته بين تجربة فنية وأخرى وبين متلق وآخر.
الواقع والتجريد
• أترى ثمة علاقة بين الواقع وفن التجريد؟
ـ في عموم مفهوم التجريد في الفنون كافة، أرى أن التجريد على الصعيد الانساني والذاتي يعنى خروج الفرد عن صلب حالته الراهنة، ورؤية ذاته وذات الكون من زاوية اخرى. وقد تقتضي هذه المغامرة ان يرتدي الفرد ثيابا خاصة أخرى، والأصدق أن يكون عاريا بمعنى التجرد من كل شيء سوى الحواس وتلقائية المشاعر والفطرة الأولى في النظر الى الأشياء المحيطة بنا. وبالنسبة الى تجربتي كانت الطبيعة هي الأقرب الى خلاصة روحي.
ووجدت أن الطبيعة قادرة أن ترى وتحس بك حين تكون متجردا معها من كل شيء... وحين تتوصلان إلى لغة ما مشتركة ستتحاوران بالتأكيد عما وراء الطبيعة وعن أمور أخرى تخصكما فقط.
• ما تأثير الفنون الأخرى على تجربتك التشكيلية؟
ـ المعرفة شرط موضوعي في تجربة أي فنان. وعليه أن يلم بالموسيقى والشعر والتاريخ والمسرح وغيرها. وأرى في الموسيقى التأثير المباشر على تجربتي. حاسة السمع عندي بهذا التأثير حساسة جدا، وحين يتغلب الايقاع الموسيقي ويغمرني بانجرافاته، ألجأ إلى الرسم تحت وطأة الألوان الايقاعية وفي حالة أخرى يتغلب أو يطغى ايقاعي الذاتي الخاص على المؤثرات الموسيقية، فتكون المحصلة مختلفة ولصالح الرسم أيضاً.
القبح الجمالي
• وكيف تقترب من ملامح الاشخاص ضمن هذا المناخ العام؟
ـ في الأعمال التجريدية تكون الطبيعة هي السائدة ويتلاشى فيها كل شيء بمن فيهم البشر كما قلت. وفي الأعمال الأخرى التي تلازمني فيها الموسيقى يكون المفعول التضادات الموسيقية أثره في تدوين العمل الفني. وفي ظل ذلك المفهوم اقترب من ملامح الأشخاص حتى وأن كانوا قبيحين أحيانا، ذلك لأن المعالجة الفنية تعطي أيضا القبح معنى جماليا تعبيريا، يعطي للبشاعة دلالات تشخيصية تخم الحياة والفن. وفي عموم تجربتي ليست هنالك أشكال جميلة أو قبيحة فقط.وجمال الشكل لا يقترب من جمالية الاعتناء بالخطوط بل يأتي غالبا من سكونية أو تأمل الحالة الخاصة لذلك الانسان، وهذا ينبثق، أو يأتي أو يتأثر بدواخل الذات، لا بالمؤثرات الخارجية. وعلى الفنان أن يرى ببصيرته لا ببصره لأن الأولى تسبر الأعماق، والثاني يتعلق بالأشكال فحسب. بالبصيرة ترسم الصوت والرائحة والاحاسيس وغيرها. وفي اللحظة التنفيذية للوحة في تجربتي أبدأ غالبا من نقطة تتماهى فيها الأشياء والموجودات، تدعى نقطة التلاشي، وفيها يغيب البصر، وتصبح الرؤية ذاتية خالصة، تأتي غالبا من مخزون الذاكرة ويعينها الوعي المعرفي اللاشعوري بالتقاط الأشياء وتدوينها بهيئتها العميقة الحقيقية.
• أعرف أن لديك اهتماما خاصا بمتابعة الحركة الشعرية وكتابة الشعر، هل لذلك علاقة ما باللوحة، بمعنى هل تلجأ الى القصيدة بعد اللوحة أم قبلها؟
ـ أنا لست شاعرا طبعا، ولكنني ألجأ الى الكتابة في حالات خاصة جدا وتأتي هذه الكتابة كمحاولة لتوثيق العمل الفني قبل انجازه بالألوان. وفي حالة أخرى الجأ اليها أثناء الرسم أو بعد الانتهاء من اللوحة، كحالة من الاتحاد والبحث عن أكبر طاقة للتعبير والتوثيق في ذات الآن.
التواصل مع المتلقي
• أين تضع المتلقي في عملية الايصال الفنية؟
ـ أرى انقطاعا بين التطورات الحاصلة في الفن التشكيلي خصوصا وذائقة المتلقي العربي، لاعتبارات عديدة منها قصر العمر الزمني للفن التشكيلي في منطقتنا بشكل عام وقصور في المتابعة الاكاديمية في مناهجنا من ناحية، ومن ناحية أخرى في الاعلام وحركة النقد الجادة. وحين تجد غربة في التواصل مع الفنانين قبل المتلقين، وذلك للتشويش الحاصل في معنى التأثير والتأثر في حركة الفن العالمي. فحين تعمل معرضاً تطغى عليه الخطوط بقوة، يقولون: انه تقليد لـ "مايكل انجلو".. وهذا بحد ذاته ضياع بين الفنانين وعدم تواصل.. فما الضير في أن يجرب الفنان في التنوع ذات تجربة مثلا تفترضها حالته المعرفية والنفسية. وما الغلط في أن تتشابه خطوط أحد رسامينا مع قوة خطوط الفنان "انجلو" وهل من السهولة الاقتراب من خطوطه اولا، ومن ثم اليس من المفرح أن يكون لدينا عشرة رسامين لـ"انجلو" أو "رامبرنت"؟؟؟ وكذلك أليس جميلا أن يتأثر أحد الفنانين بألوان الفنان فاتح المدرس أو خصوصية خطوط نذير نبعة مثلا. وعلينا أن نشجع هذه التأثيرات في البدء، ونحرص باتجاه الخصوصية لاحقا. وبالتأكيد ستكون هذه الخصوصية تجاوزا لمرحلة هامة باتجاه الأكثر تميزا والأجمل.
• أيعني ذلك وحدة الهوية التشكيلية بين الغرب والشرق؟
ـ لا، أنا مع المتابعة والتأثر من أجل تمييز الهوية الفنية وخصوصية كل فنان لوحده. ونحن في الشرق لدينا كل مبررات اللوحة الهامة، لدينا الحضارات القديمة والتراث الغني والطبيعة المتنوعة الساحرة والشمس وتدرجات الألوان التي لا حصر لها.. وبالمناسبة هذه ادعو كل فناني الغرب للتعرف على عوالم الشرق وغناها البيئي، لدينا حتى في الصحراء خصوصية لونية عبقرية.
أجيال وأسماء
• كيف تنظر إلى مسألة عدم التواصل والتميز بين الأجيال الفنية التشكيلية في الوطن العربي، ومثالنا في سوريا الآن؟؟؟
ـ في ذلك لدي وجهة نظر خاصة حتى يبدو دور المؤسسة الفنية ملغيا أو بدون فاعلية. ذلك لأن موقفها أصلا في غاية الحرج، فهي أن سعت بالتوجيه المشروط سيكون توجهها الزاميا، وبالتالي يفقد معناه الفني.. وهي ان لم تسع الى التوجيه والاشراف المباشر، ستفقد جدواها كمؤسسة أو نقابة. ومن هنا يبدو غياب التواصل بين الأجيال والتمايز بينها.
وأرى أن على المؤسسة العربية الجادة في هذا المجال، توفير كافة الامكانات لايضاح الجوانب الجمالية عبر التاريخ، وتقديمها الى الفنان بيسر وسهولة عبر الكتب والاشرطة والندوات والحوارات، ليتمكن كل فنان وخصوصا في مراحله الأولى من تكوين فكرة اساسية عن الرؤية الجمالية الخاصة بالعرب عبر حضاراتهم وفنونهم. في الوطن العربي تغيب المرجعية في الفن.
ولذا فان مسألة البحث عن هوية عربية خالصة في اللوحة المعاصرة تلك تكون مسألة ذاتية فقط، يبحث فيها كل فنان بأسلوب خاص، وهنالك من لا يتساءل عنها اطلاقا.
• وماذا تقول عن سيادة اللوحة التجارية في صالات الفن؟
ـ هنا لا ألوم الفنان اطلاقا لأنه مطالب بتغطية تكاليف عمل ومعيشته، على ألا تطغى الصفة التجارية على أغلبية أعماله والفنان الذكي يعرف كيف يوازن بين هذه وتلك. وفي عموم ظاهرة اللوحة التجارية أقول أنها أخطر لعبة مؤذية للفنان وللفن ولامكانية تطور حركة الفن التشكيلي العربي والسوري بشكل خاص. هنا أحمل المؤسسة الفنية مسؤولية هذا التدهور لأنها الكفيلة بتحقيق الأفضل للفنان أولا وحرصها على الحركة التشكيلية ثانيا. بدءا من تقديم الصالة مرورا بايجاد الحلول لظاهرة البيع والشراء، كي لا تكون حصرا على تجار اللوحة، ممن لا علاقة لهم بالفن اصلا. أعني حين تتكفل المؤسسة بايجاد بعض الحلول "غير المستحيلة" يمكن للجميع اقتناء اللوحات وتعليقها على جدران بيوتهم ثم هنالك أهمية أخرى تقع على عاتق النقاد والصحفيين والمعنيين بأمور الكتابة والمتابعة.
• دائما يشير الغرب الى خصوصية الأعمال الفنية في الشرق حتى اللحظة الراهنة ما سر ذلك من وجهة نظركم؟
ـ العمل الفني الشرقي. عمل عاطفي، مسكون بالتقليدية والانفعال وان أي خط في أعمال الشرق تاريخيا يعني فلسفة روحية وفنية كاملة. هذا بالاضافة الى خصوصية الضوء والظل في الفن الشرقي التي تدعو الحواس قبل البصر الى التأمل والانشداد الى دواخل النص الفني، ولا ننسى أن تطور الآلة في الغرب منذ عصر الثورة الصناعية والفنية قد طغت على حالة التأمل والبحث عن الذات، وهذا "باعتقادي" ما يجذب المشاهد والمختص الغربي الى أعمال الشرق الفنية الغنية بالشمس والروح المعنوية.
دمشق- الاتحاد حوار: سمير السعيدي
|