على هامش لوحات الفنان السوري ياسر حمود في بلدنا للفنون أسئلة حول الصراع التشكيلي وآفاق المستقبل العربي
من سوريا، تعرض قاعة بلدنا للفنون التشكيلية، مجموعة من لوحات الفنان الشاب "ياسر حمود" الذي يعتبر من الفنانين السوريين الذين عملوا من أجل وضع تصورات خاصة للتعرف على هوية الفن المعاصر.. بالرجوع الى الموروث الاكاديمي والتاريخي والحضاري الذي قدمته لهم أكثر من جهة ومكان، فمن الدراسة في اكاديمية الفنون الجميلة الى الخبرة العملية في اقامة المعارض وتصميم الجداريات.. وانتهاء بالاحتكاك مع الفنانين السوريين الكبار والرواد للحركة التشكيلية في الوطن العربي والعالم.
وتبدو لوحات ياسر حمود وكأنها بحث في لغة اللون أولاً... ومن ثم العمل على دراسة الشكل والظرف الزماني والمكاني في جوهر هذا الشكل الدال على موضوع ما/أو قضية!!.
ـ فما هي خصائص ما قدمه حمود في معرضه في بلدنا للفنون في عمان، بعد دمشق، حاضرة الفن في بلاد الشام؟!
ـ والسؤال الاخر.. أين موقع هذا الفنان اليافع من عشرات الفنانين في سوريا والبلاد العربية.. وأقصد هنا بالموقع.. لوحته وعمله الفني التشكيلي المؤثر؟!!
وللبحث في ذلك، أو الاجابة على التساؤلات، نعرج على لوحات الفنان التي بدت ألوانها حاضرة في أكثر من انطباع.. فهي لوحات تحمل غنائية لونية واضحة جداً وكثافات في توزيع بؤر الضوء الملونة على سطح اللوحة، سواء باتجاه اليسار أو اليمين، فهناك لوحة يندرج اللون فيها نحو أسفلها وأخرى يتوازن الشكل مع بنائها افقيا أو عموديا.. وهذا يدل على بعض خصائص ما قدمه ياسر حمود في معرضه الذي أراد له أن يمثل بعض اتجاهات لوحته التجريدية المعاصرة...
ولهذا خلت الأعمال من التركيز على الأشكال أو الرموز الواضحة او التي تغني عمل الفنان الشاب الباحث عن دور له في الصراع التشكيلي المهيمن على كل منظومة الفكر والابداع التشكيلي العربي وحتى العالمي، على اعتبار أن الفنان المحلي "في البلاد العربية" هو مشارك فعال في مسيرة الفن العالمي الذي أصبح يميل الى التجريد اللامتناهي واللامقيد بأي أشكال أو أنماط بيئية أو حضارية أو شكلية معينة.
وأظن أن ميل حمود إلى مثل هذه المحاكاة للواقع المطروح على مستوى الفنون كافة قد جعله يتحرر من حضارته وسمو الموضوع الذي كان يجب أن يلتزم به، وغياب الموضوع الفكري واطاره المركزي الشكلي جعل لوحاته كأي أعمال حرة لونية، تجريدية في حقل تجارب العديد من الشباب ممن فقدوا نمطية التعامل مع أعمالهم بجدية، خارج مألوف الفكر الاستهلاكي.. وحسب الفنان ياسر حمود أن لديه الامكانيات والتأسيس السابق الذي يجعله من الشباب ـ تخرج من دمشق سنة 1987 ـ الدارسين المهمين اذا ما وعوا تجارب الصراع الحضاري وتأثيره على بنية الابداع.. واظن ان مقومات ذلك متوفرة في لوحة الفنان، حسب معرفتي قبل سنوات عندما كان يجرب البحث عن اختزال واختصار لماهية الشكل ويبدو أنه ارتاح للتجريد اللوني وغنائية اللوحات وتواتر اللون وحركته الضوئية.. فغابت بصماته المؤثرة بسهولة وهو الآن بحاجة إلى مراجعة شاملة لنمط اللوحة... وبدا لي في لوحته هوس بازاحة الشكل / أو الكتلة وخلق فضاء لوني وخطي، أجد أنه لم يقدم أي جديد للوحاته وهذا الأمر يقدم اجابة على موقعه الذي أحب أن أراه فيه، فنان شاب، ملتزم يخدم قضايا الفن والابداع.. لكن بعيدا عن التقليد والمحاكاة.. فهو كفنان مازال بحاجة إلى المزيد من الاحتكاك والدراية والخبرة.
ـ لقد ساهمت بلدنا للفنون في تعريف الحركة التشكيلية المحلية والعربية في الأردن على تجارب فنية معاصرة. لها دورها في التشكيل العربي في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق والأردن ومصر وغيرها... وفتحت المجال للعديد من التجارب الشابة ومنها فرصة العرض لياسر حمود التي جاءت لتكشف عن ميول الفنان نحو حلم الانطلاق نحو الجديد والمعاصر في الفن.. وترك هذا الأمر في نفسي الانطباع بجدية لوحات الفنانين السورين الكبار أمثال "نذير نبعة" و"فاتح المدرس" و"لجينة الاصيل" و"كذلك شباب المستقبل المشرق مثل لؤي عبد الحميد وحمود شنتوت ومصطفى علي" وقد كانت لأعمالهم المرسومة والمنحوتة صداها الكبير.. ودورها ذو الدلالات الأكيدة على صدق توجهاتهم.. وهو ما نأمله من كل فنان شاب سواء يعمل في سوريا أو الأردن أو العراق أو الخليج العربي أو فلسطين.. ان يعي دور الفن والفكر في خلق روح التنافس على الرقي الابداعي وادراك الفرق ما بين الابداع والمعاناة أو الاستهلاك وتبعياته.. وللفنان قدرة واضحة من حيث اللون والتكوينات والدراسة على اعادة النظر في الاتجاه الذي يريد أن يواجه المستقبل به..!!
وأقول صدقا.. أن هذه القضية الابداعية الفنية، هي أخطر ما يواجه الفنان وربما جاء معرض "ياسر حمود" من دمشق ليثير هذا السؤال وهذه الكتابة في سبيل وعي صورة اللوحة العربية التي نريد لها أن تشكل مع المثقفين ورجال التاريخ، صدمة الواقع والمستقبل الآتي في ظل الانفتاح على كل التيارات العالمية في الفنون والآداب.. حتى ما اختص بها اعداءنا.. وهذا أمر مؤكد وعلينا كفنانين أن نحدد ما نريده من لوحاتنا.. والفهم المطلوب من المتذوق معالجته على الأقل حتى نجد الفرق ما بين لوحة عربية دمشقية أو بغدادية وما بين تجريد لوني بحت لا جديد فيه إلى حسن أو سوء التكوينات.. وبالتالي لا يخدم واقعنا الثقافي والفني..!!
عمان - الرأي - 7/2/1994 حسين دعسه
|