الفنان التشكيلي السوري ياسر حمود
مفردات الطبيعة والإنسان


عزيزي المشاهد حالت ظروف قاهرة دون أن أكون معكم في معرضي الشخصي الأول، ولذلك فإني وددت أن أخاطبكم من بعيد، علّ رسالتي هذه أن تعوض بعض التفاعل الذي يطمح اليه الفنان مع جمهوره. ان كلماتي ليست شرحاً لأعمالي. بل هي مجرد كلمات أعبر فيها عن رؤيتي الشخصية لعملي كفنان، وبشكل خاص لتعاملي مع الطبيعة.

بتلك الكلمات استهل الفنان السوري ياسر حمود رسالته الموجهة الى جمهور صالة بلدنا للفنون، حيث معرضه الشخصي الأول الذي افتتح أواخر الشهر الماضي. واضطر لأسباب شخصية أن يعود إلى دمشق ويغيب عن متابعة الاقبال على معرضه.

ياسر حمود الذي ولد في سورية عام 1963، خريج كلية الفنون الجميلة، جامعة دمشق 1987، وعضو نقابة الفنون الجميلة بسورية، شارك في العديد من المعارض الجماعية للفنانين السوريين، بين عام 86 و1991، نظم معرض الأصيل في دمشق واللاذقية لعامي 1991 و1992، وقد عمل في مجال التصميم والرسم الصحفي والملصق والعمارة الداخلية اضافة الى أنه صمم ونفذ بانوراما مدخل دمشق الشمالي 1990/1993.

يتضمن معرض ياسر حمود في صالة بلدنا 25 لوحة معظمها من الحجم الكبير، منفذة بالألوان الزيتية، وبأسلوب مزيج من التأثيرية والتجريد، يحاول الفنان محاكاة الطبيعة واستلهامها، ويقول في رسالته التي أرسلها من دمشق "أني أرى أن كل الموجودات في الطبيعة تنادينا للتأمل فيها، ويشكل هذا، بالنسبة لي، دافعا حقيقيا لمحاولة تصويرها، محاكاتها، فتعلمنا معها كيف نراها كما هي، وبصورة صحيحة، حيث لا وجود للخط ولا للون الأسود فيها.

حروف الظل والنور
يقول الفنان "ان الطبيعة تهيء لنا حروف الظل والنور ومعانيها، وهي تدعونا للاقتراب منها أكثر فأكثر، فتشعرنا اننا نقترب، بذلك، من الحقيقة، ان الطبيعة تشير لنا بيدها الى مكامن السعادة عندما تطالبنا بمحاكات ما ورائها". من خلال كلمات ياسر حمود نلاحظ تأثيراً واضحاً لديه بالمقولة الارسطية القديمة التي تقول "ان الفن محاكاة للطبيعة" وبغض النظر عن مكانة هذه المقولة في سياق فلسفات علم الجمال والفنون المعاصرة أو القديمة، فان المرء لا يستطيع أن يركن الى ما يقوله الفنان رؤية وموقفا، ويسقطه على ما ينجزه رسما أو عملا فنيا تشكيليا، لأن ثمة عنصرا آخرا يضاف تلقائيا، تبعا للعملية الابداعية وآلياتها الشعورية وغير الشعورية، وهذا العنصر هو عنصر اللحظة الابداعية وحالتها وتفجر طاقات الحواس وفعلها، انه الشيء الفني في اللوحة التي هي ليست تجسيدا للتصورات التي يتفوه بها الفنان أو يعلنها موقفا من الفن أو عنه. هذا الكلام لا يعني أن الفنان يناقض قوله في رسمه، بل العكس انه يحاول أن يسائل العلاقة الشعورية ـ فقط ـ بين الفنان وعمله الفني الذي ما ا ن ينجز، يصبح قابلا لتأويلات متعددة مختلفة تبعا للمشاهد أو المتلقي، وحالته وسويته المعرفية.

يقول الفنان "فالوردة لا تموت أبدا. لأن محبتها في قلبي... عبادة، عبدت الله الساكن فيها..." ويبدو من تصور الفنان أن العملية الفنية استجابة لنداء الطبيعة الأزلي، النداء الذي يدعو الانسان الى البحث عن مكامن السعادة في ما وراء الطبيعة، في الميتافيزيك، واختراق الوضعي، ولم لا؟ وهي التي تهيء لنا حروف الظل والنور ومعانيها، لاشيء اذا يأتي من الفراغ أو من اللاشيء، لأن الفراغ كمفهوم قد يعني بعداً قائماً بالمعنى الهندسي المحسوس، أو في مستويات أخرى لعلاقات الأشياء والكائن والزمن.

اللؤلؤة الزرقاء
الانسان هو برأيي من مفردات الطبيعة، والأخيرة ـ الطبيعة ـ تجد تجسيدها الأعلى في الانسان، كما يضيف الفنان ياسر حمود في رسالته:

النفس الزرقاء
خرجت من محارتي كاللؤلؤة
فالحسن لا يطيق مخبأه
وكنت كالافق في آذار
يغمرك الغيم الى الزنار
دخان بخورك
يخبىء ما أريد أن أفضح من أسرار"

بتلك الكلمات يخاطب مشاهد أعماله، ويعبر عن هاجس السر الفني في أعماق الفنان، مفرداته لا تخلو من اشارات بحرية (الأزرق، المحار، اللؤلؤة...).

الشاعر الفلسطيني والناقد الدكتور عز الدين المناصرة عقب على معرض ياسر حمود بالقول: "اشراقات الضوء دافئة تمنحنا الغبطة والتحاسد لجمال لا نستطيع الامساك به. لكن حرارة اللون تنغرز في الأعماق وتخلخل الروح. انه فنان يوزع الجمال بالعدل والانصاف على مساحات السطوح البيضاء".

ولاشك أن غياب الخطوط واللون الأسود، من أعمال ياسر حمود، له دلالات تشكيلية شفافة تكتسب حضورا شاعريا عبر الألوان الضوئية والجرأة اللونية. التي تعتمد على تجريبية هادئة تحاول أن تستقي مشروعيتها، من ايقاعات الطبيعة وألوانها المفترضة فنيا في شعور وأحاسيس الفنان.

يخاطب الفنان التشكيلي الأردني عبد الرؤوف شمعون، ياسر حمود قائلاً: ان درايتك باللوحة الحديثة قائم في هذه الأعمال، وهي تستند الى دراسة مسبقة للون والخط. ان هذين العنصرين لم يتم التعامل معهما كأساس لتكوين معين، بل جرى تحريرهما. أظن أنها شاعرية داخلية تتقدم على ما عداها، وقد نجحت في هذا".

حنيف يوسف