أعمال ياسر حمود في صالة بلدنا
توليف ذكي بين الانطباعية والتجريد


أعمال الفنان ياسر حمود، المعروضة حالياً في صالة بلدنا للفنون، تعطي فكرة جيدة عن التجارب الجديدة التي يخوض غمارها الجيل الثالث والرابع من التشكيليين السوريين في السنوات الأخيرة. وهي بشكل أو بآخر تشكك بالرأي الذي يؤمن به البعض، بما فيهم نقاد وفنانون سوريون، من أن الفن التشكيلي السوري دخل مرحلة طويلة من الرتابة والجدب. أو أنه يراوح في مكانه، بعيداً عن الاحتكاك والتفاعل مع ما تشهده الفنون التشكيلية المعاصرة في العالم من تغيرات متواترة بل وثورات للخروج من القوالب القديمة والمستحدثة.

وبكلام آخر فان المعرض الأول لأعمال ياسر حمود يعطي أحد الاجابات الممكنة التي تطرحها حركة تجاوز الأزمة ـ أزمة الركود ـ التي عانت ولاتزال تعاني منها الحركة التشكيلية في سورية. أقول أحد الاجابات الممكنة، أولاً لأن التحديات المطروحة حالياً على التشكيليين السوريين تفرز أجوبة عديدة وليس جواباً واحداً، وثانياً لأن عملية البحث مستمرة ولا يبدو أنها ستستقر في وقت قريب قبل أن تنضج الصياغة الجديدة لهوية الجيل الثالث والرابع من التشكيليين السوريين عند معالم محددة تضيف الى رصيد من سبقهم وتبني عليه.

وعملية البحث هذه قادت ياسر حمود، خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1987 الى توليف متين من التجريدية والانطباعية، خرج منه بقماشة خاصة للوحته. فأعماله تنطلق من الطبيعة ومن المشهد العريض الى تجريد التفاصيل وصولاً بها الى ما وراء خصائصها المتعارف عليها بصرياً. وإذا بها تتخلص، أولاً، من الخط الذي لا وجود له في الطبيعة، ثم اذا بها تلغي اللون الأسود وتستعيض عن ذلك كله بعلاقات الألوان ببعضها البعض حالما تتجاور وتتحاور، فتتمازج حيناً وتتقاطع حيناً آخر لتصنع في نهاية الأمر نسيجاً خاصاً بها يعكس الواقع دون أن يتماهى معه.

وهكذا ينطلق من الاناء المحدد المعالم الى ما يشبه فكرة الاناء. ومن الزهور الملموسة الى ألوانها المحسوسة بالاستبطان والتخمين. وهو يستعين على تحقيق ذلك بفرشاة عريضة دائماً، تترك على سطح اللوحة طبقة سميكة من الطلاء النظيف، الذي يعيد الى الاذهان نضارة الانطباعيين الأوائل. لكن ياسر حمود لا يلبث أن نجده يغادر ضربات الفرشاة المستقيمة المباشرة والقصيرة إلى نوع من اللعب الحر. فالفرشاة "ترقص" على سطح اللوحة، فهي تتحرك في أنحاء اللوحة دونما قرار، مما يضفي عليها نوعاً من الصخب والفوران يجعلا المشاهد في حالة ترقب مستمر، كما لو أن اللوحة قادرة على أن تعيد تشكيل نفسها، في كل لحظة.

يفسر هذا الفوران في حركة الفرشاة والألوان أن لوحة ياسر حمود تعتمد كخلفية لها على الايقاع الموسيقي. فالموسيقى معطى أساسي في جمالية لوحته، وبدون رؤية ذلك لا يمكن فهم سر الحركة الحرة للفرشاة على سطح اللوحة، والتي لا تستقر في مكان واحد، فهي قد تبدأ في رأس اللوحة وتنتهي في ركن منها، كما أنها لا تستقر على منوال واحد أفقياً أو شاقولياً، بل تتحرك في جميع الاتجاهات مخلفة مستويات مختلفة من السطوح اللونية النقية.

ولتحقيق هذا النوع من "الابحار" فان ياسر حمود يلجأ الى اللوحة ذات المقاس الكبير والى التلوين الزيتي الذي يمنحه حرية الحركة والقادرة على استخراج نتائج بصرية لا تتيحها، عادة، الأنواع الأخرى من الألوان. فمن أصل خمس وعشرين لوحة يضمها معرضه، نجد أن أكثر من نصفها من مقاسات كبيرة ومنفذة بالألوان الزيتية على القماش.

لكن هذا لا يعني التقليل من أهمية لوحاته الأخرى المنفذة بالألوان المائية والاحبار على الورق، أو دراساته على الجسم البشري المنفذة بالفحم على الورق. فمائياته القليلة (أربعة أعمال فقط) أكدت قدرته الفائقة على التلوين في حين أبرزت تخطيطاته بالفحم قدراته على التجسيم في خطوط قليلة تختزل الموضوع (المرأة غالباً) في مساحات وخطوط شديدة التقشف.

قد يدهش المشاهد لأعمال ياسر حمود حين يلحظ، من مطالعة سيرته الذاتية، أن ما يشاهده ليس إلا المعرض الشخصي الأول له. لكن هذا يجب أن لا يخدعه، اذ أن ما يشاهده استند الى "مخاض" بدأ قبل نحو ثمانية سنوات. ونعلم الآن أن ياسر حمود خرج من هذا كله بصياغته الخاصة لرؤياه وعلاقته بالطبيعة، فهي نتاج بحث وتجريب ومحاورة مستمرة مع فراغ اللوحة. ومما لاشك فيه أن ياسر حمود نجح في الخروج من "القالب" وتمرد عليه. ولنا الحق في أن نتوقع منه ما هو أكثر من مجرد التمرد والحداثة، وأن نطالب بأن نرى مفردات "لغتنا" و"رموزنا" التشكيلية في أعماله، وليس فقط لوحة معاصرة و"عالمية" اللغة.

هاني الحوراني